لبنان على خط الزلزال: ديبلوماسية البوارج وارتدادات الصراع الأميركي-الإيراني! -بقلم: بيار مارون
بقلم: المحلل الاستراتيجي بيار مارون
في أروقة واشنطن، تتردّد قاعدة غير مكتوبة بين المحللين: “حين تغادر عائلات الدبلوماسيين بلداً ما وتقترب حاملات الطائرات، تكون لغة الكلام قد انتهت وبدأت لغة الميدان.” وفي فبراير 2026، يبدو أن هذه القاعدة وجدت طريقها إلى التطبيق في لبنان. لم يعد السؤال ما إذا كان لبنان سيتأثر بالتوتر الأميركي–الإيراني، بل إلى أي مدى قد يتحول إلى ساحة ارتداد (Blowback) في مواجهة إقليمية تُعدّ الأخطر منذ سنوات.
وإذ تجدر الإشارة إلى أن الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في شرق المتوسط، والذي تُوّج بوصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” وانضمامها إلى “أبراهام لينكولن”، لا يدل بالضرورة إلى نية الولايات المتحدة شنّ حرب شاملة، فإن الرسالة الأساسية هي بناء “حزام جهوزية” يهدف إلى إقناع طهران بأن تحريك “الساحات” - وفي مقدمتها الساحة اللبنانية - ستكون كلفته باهظة ومباشرة.
ولأن واشنطن تعرف أن حزب الله، رغم الاغتيالات التي طالت قادته ورغم تدمير مراكزه العسكرية، ما زال يشكّل في 2026 رأس الحربة في منظومة الردع الإيرانية، فإن الرسالة الأميركية الموجّهة إلى العقل الاستراتيجي في طهران هي أن “لبنان لن يكون ساحة مجانية لامتصاص الضغط، وأي مغامرة ستواجه بقوة نارية جاهزة على بُعد أميال من الشاطئ.
في ظل هذه الأجواء، يأتي قرار وزارة الخارجية الأميركية في 23 شباط 2026 بتقليص الطاقم الدبلوماسي غير الأساسي في بيروت ليس كخطوة إدارية عابرة، بل كإشارة إنذار استراتيجية واعتراف بأن هامش سوء التقدير في الحسابات الإقليمية بلغ مستوى خطيراً. فالضربات الإسرائيلية الأخيرة في العمق اللبناني تؤكد أن قواعد الاشتباك القديمة تآكلت، وأن الجبهة اللبنانية باتت مكشوفة أمام أي تصعيد مفاجئ.
الجيش اللبناني صمام الأمان
وسط هذا المشهد المتوتر، يبرز الجيش اللبناني كـ “مخفف صدمات” استراتيجي. فبينما ينجح في تعزيز حضوره جنوباً وضبط الحدود تقنياً، سيواجه تحدياً وجودياً إذا انزلقت المنطقة نحو مواجهة واسعة. والرهان الأميركي المستمر على الجيش - والذي تعكسه صفقات المعدات اللوجستية والآليات التكتيكية - يهدف إلى تمكين المؤسسة العسكرية من أداء دورها الإنقاذي في:
- أولاً: منع الفتنة الداخلية،
- ثانيا: إدارة أزمات النزوح،
- ثالثاً: الحفاظ على قنوات الاتصال مع اليونيفيل،
- رابعاً: الحدّ من الانفجار غير المقصود.
لكن الحقيقة القاسية تبقى في أن قرار الحرب الكبرى يُصنع خارج قدرة الدولة اللبنانية على التأثير!
خناق “الذهب”: تجفيف السيولة قبل اندلاع النار
لا تكتفي واشنطن بالبوارج، بل تضرب في العمق المالي. استهداف شبكات الذهب والاقتصاد الموازي (مثل شركة Jood SARL في فبراير 2026) يعكس رغبة أميركية في تجفيف “سيولة الحرب” قبل اندلاعها. فواشنطن تعتقد أن محاصرة الاقتصاد النقدي ستجعل قرار فتح الجبهة عبئاً مالياً ولوجستياً لا يُحتمل، حتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
لبنان في غرفة الطوارئ
لبنان اليوم ليس لاعباً في المواجهة الإقليمية، بل ملعباً ومستجيباً أول. تحاول السياسة الأميركية إبقاءه في "غرفة الطوارئ" - بجيش صامد وضغط مالي مضبوط - لمنع انتقاله إلى "غرفة العمليات الجراحية". يبقى المتغير الأخطر هو قدرة القوى المحلية على تغليب مصلحة البقاء الوطني على التزامات “الساحات الإقليمية”. فإذا اشتد الطوق حول إيران، سيضيق هامش المناورة في لبنان تلقائياً، وسيجد اللبنانيون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسّك بمظلّة الدولة والجيش، أو التحوّل مجدداً إلى ساحة ارتداد في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل!
*كاتب المقال:
بيار مارون - محلل استراتيجي